الشنقيطي
36
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
والثاني - أن المراد بكونه أزكى أنه أكثر ، كقولهم : زكا الزرع إذا كثر ، وكقول الشاعر : قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة * وللسبع أزكى من ثلاث وأطيب أي أكثر من ثلاثة . والقول الأول هو الذي يدل له القرآن ، لأن أكل الحلال والعمل الصالح أمر اللّه المؤمنين كما أمر المرسلين قال : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً [ المؤمنون : 51 ] الآية ، وقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 ) [ البقرة : 172 ] . ويكثر في القرآن إطلاق مادة الزكاة على الطهارة كقوله : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ( 14 ) [ الأعلى : 14 ] الآية ، وقوله : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) [ الشمس : 9 ] الآية ، وقوله : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [ النور : 21 ] ، وقوله : فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً ( 81 ) [ الكهف : 81 ] وقوله : أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ [ الكهف : 74 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . فالزكاة في هذه الآيات ونحوها : يراد الطهارة من أدناس الذنوب والمعاصي ، فاللائق بحال هؤلاء الفتية الأخيار المتقين أن يكون مطلبهم في مأكلهم - الحلية والطهارة ، لا الكثرة . وقد قال بعض العلماء : إن عهدهم بالمدينة فيها مؤمنون يخفون إيمانهم ، وكافرون . وأنهم يريدون الشراء من طعام المؤمنين دون الكافرين . وأن ذلك هو مرادهم بالزكاة في قوله أَزْكى طَعاماً وقيل : كان فيها أهل كتاب ومجوس . والعلم عند اللّه تعالى . والورق في قوله تعالى : فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ الفضة ، وأخذ علماء المالكية وغيرهم من هذه الآية الكريمة مسائل من مسائل الفضة : المسألة الأولى - جواز الوكالة وصحتها ، لأن قولهم فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ . . الآية يدل على توكيلهم لهذا المبعوث لشراء الطعام . وقال بعض العلماء : لا تدل الآية على جواز التوكيل مطلقا بل مع التقية والخوف ، لأنهم لو خرجوا كلهم لشراء حاجتهم لعلم بهم أعداؤهم في ظنهم فهم معذورون ، فالآية تدل على توكيل المعذور دون غيره . وإلى هذا ذهب أبو حنيفة . وهو قول سحنون من أصحاب مالك في التوكيل على الخصام . قال ابن العربي : وكان سحنون تلقه من أسد بن الفرات ، فحكم به أيام قضائه . ولعله كان يفعل ذلك لأهل الظلم والجبروت إنصافا منهم وإذلالا لهم . وهو الحق ، فإن الوكالة معونة ولا تكون لأهل الباطل ا ه . وقال القرطبي : كلام ابن العربي هذا حسن ؛ فأما أهل الدين والفضل فلهم أن يوكلوا